0

كلمة المستقبل - العدد 10 نيسان 2007- جريدة يصدرها تيار المستقبل الكوردي في سوريا

في الثامن من آذار 1963 أعلنت حالة الطوارئ في سوريا ، إثر انقلاب عسكري قاده حزب البعث ، مما أدى إلى اغتصابه للسلطة والثروة بقوة الحديد والنار ، ومنذ ذلك التاريخ يعيش الشعب السوري وما يزال  تحت مطرقة قانون الطوارئ ، وسنديان الأمن والأحكام العرفية والمحاكم الأمنية والعسكرية . التي حرمت المواطنين من ممارسة حقوقهم وحرياتهم الأساسية ،التي منحهم إياها الدستور السوري ، وصار المجتمع محكوماً  للخوف والإرهاب ، من قبل أجهزة المخابرات والقمع ، التي تضخمت إلى درجة انحسار الدولة وتلاشي دورها  وإصابتها بالشلل والاغتراب. مما حولها إلى دولة قامعة مستبدة ، حيث اغتصبت السلطة الحاكمة أرادة المجتمع ، وغيبت دوره وصادرت حقوقه في بناء حاضره وتقرير مستقبله. فعملت على تكميم الأفواه، و مراقبة الصحف والإعلام ، ووضع الخطوط الحمراء التي لا يجوز تجاوزها لتكريس الاستبداد والفساد ، والوصاية على الشعب السوري بعربه وكورده وسائر قومياته وطوائفه ، وامتلأت السجون بالمعارضين السياسيين ، مما أدى إلى حدوث أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية في البلاد ، لا يمكن أن تحل إلا بإعادة الاعتبار للمواطن ، واحترام اختياراته والإيمان بقدراته ومشاركته في كافة الخيارات المطروحة على المجتمع، واحترام هذه المشاركة ، والأخذ بها ، لأنه لا يوجد من ينوب عن الشعب في تقرير مصيره وتحديد مستقبله ،  فهو وحده صاحب هذا الحق الأصيل  .

ويبدو أن السلطة الحاكمة لا تبدي أية أهمية للاحتقان الداخلي ، الذي ينذر بكارثة حقيقية تهدد المجتمع بأكمله سلطة ومعارضة ، جراء السياسات القمعية والافقارية ، وأخرها ما حصل في 10-3-2007 في الاعتصام الرمزي الذي نفذ في الذكرى 44 لقانون الطوارئ في دمشق ، حيث منع المشاركون من الاجتماع ، وتم ترحليهم في سيارات مغلقة إلى طريق تدمر وألقت بهم هناك ، في ممارسة تعكس العقل الأمني القمعي الاقصائي في إخراس وإسكات صوت الشارع .

ظاهرياً تتجه المنطقة نحو الهدوء والمقايضة , والساحة مفتوحة أمام كافة أشكال التسويات والمواجهات كل طرف يحاول أن يجسد حركته بمصلحة معينة ومن زاوية محددة  , فالنظام السوري الذي تزداد عزلته داخليا وخارجياً يوماً بعد يوم ، يريد تعديل وتفصيل المحكمة ذات الطابع الدولي وفق مصلحته , مقابل التخلي عن دعم ومساندة اقرب حلفائه ، ابتداء بحزب الله في لبنان ، مرواً بحماس في فلسطين ، وانتهاء بالجماعات الاسلاموية والعنفية في العراق ، دون أن يعي إن مسألة التأخير في تشكيل المحكمة سوف يجعل إقرارها تحت الفصل السابع أمرا حتميا ، وهذا الأمر في غير مصلحة الشعب السوري .

لقد بدا التحرك السعودي مؤخراً وكأنه انتصار لاتجاه العقل والمنطق على الإرهاب والفوضى الذي حاولت بعض الأطراف التبشير به ونمذجته ، ويبدو أن نتيجته كانت ايجابية حيث تجسد في إعلان حكومة فلسطينية موحدة ، وتراجعت حدة الدم والعنف المنظم في العراق وشهدت بغداد استقراراً نسبياً ، ترافق مع هدوء مؤقت على الساحة اللبنانية ، بعد اللقاء الذي تم بين السيدين نبيه بري وسعد الحريري دون أن يسفر عن أي حل ملموس للمعضلة اللبنانية أما حكومة الملالي في إيران ، فتعمل جاهدة بكل السبل على خلط الأوراق في لبنان والعراق ، عبر حلفائها ونشر المذهب الشيعي في أكثر من دولة بواسطة المال ، لتكريس دورها الإقليمي وبناء إمبراطوريتها الفارسية من جهة ، والمقايضة بملفها النووي من جهة أخرى ، لشراء الوقت ، والحيلولة دون استصدار أية عقوبات مهمة من مجلس الأمن الدولي بخصوص ملفها النووي ، ويبدو أن الموقف الدولي يتجه إلى التشديد ومعاقبة السلطة الإيرانية الظلامية  دون أن تستطيع الجهود المبذولة وعلى أكثر من صعيد الحد من ذلك .

وعلى صعيد آذار والمناسبات الذي يحتويها ، فقد قامت لجنة التنسيق الكوردي مع حزب الاتحاد الديمقراطي في إحياء ذكرى شهداء انتفاضة قامشلو ، الذي يُعتبر يوماً للشهيد الكوردي ، في مقبرة قدور بك ، وقد حضره عشرات الألوف من المواطنين الكورد ورددوا الشعارات التي تنادي بحياة شهداء الحرية وكردستان ، على حين غاب عن الحضور كلاً من الجبهة والتحالف الكوردي ، التي ارتأت نقل التأبين ودمجه مع ذكرى قانون الطوارئ إلى دمشق في 10-3-2007 ، دون أن تقيم وزناً لدماء الشهداء ودموع ذويهم ، علماً أن هذه القوى مستعدة لتأبين أي عضو حزبي ينتمي إليها ، حتى لو توفي وفاة طبيعية .

فيما يخص الانتخابات البرلمانية للدور التشريعي التاسع ، فقد تقرر إجراؤها في 22 نيسان القادم ، في ظل إبقاء المادة الثامنة التي تلغي المجتمع والشعب والدولة , وتكريس هيمنة الفساد والإفساد ، وسريان قانون الطوارئ والأحكام العرفية ، وعدم صور قانون للأحزاب وتعديل القانون الانتخابي ،  وإعادة الجنسية للمجردين منها من أبناء الشعب الكوردي ، الأمر الذي بررت به العديد من القوى والأحزاب عدم مشاركتها في الانتخابات القادمة حتى قبل صدور المرسوم الرئاسي ، وخاصة القوى الموالية للسلطة التي شاركت تاريخيا فيها واستطاعت عام 1990 أن تحتل مقعداً فيه ، علما أننا سنشارك في هذه الانتخابات ، مع علمنا مسبقا أن سوريا بلد غير ديمقراطي حتى تتم المنافسة على المقاعد ، وان الانتخابات هي مسرحية هزلية لا تقدم ولا تؤخر وهي تحصيل حاصل ، لان النتائج محسومة سلفاً  لصالح البعث وجبهته الملحقة ، لان الدستور معطل بالمادة الثامنة ، و قانون الطوارئ ساري المفعول ، والقانون الانتخابي مجحف ومنحاز ، من هنا فان مشاركتنا المبدئية هذه تستند إلى ضرورة جمع مستويين من الفعل السياسي , فعل توظيف العملية الانتخابية في الوصول إلى التغيير الديمقراطي السلمي ، بالاعتماد على إمكانات قوى المجتمع السوري ومعارضته الصامتة , من اجل رصد التجاوزات وتعرية النظام وكشف بنيته القمعية وممارساته اللاانسانية ، وصولا إلى فك التمحور والاستقطاب الذي حظيت به السلطة السياسية في سوريا ، من خلال إنتاج وممارسة خطاب شعبوي . هذا الموقف يعتمد  أصلاً على سلمية الفعل والأداء واستثمار الانتخابات . أما المستوى الثاني يتمثل في رفضنا وممانعتنا لاغتصاب الاستبداد البعثي للسلطة ، من خلال المادة الثامنة ومصادرة الدولة والمجتمع  ، وكسرنا لحاجز الخوف والرعب والهامش الذي التزمت به جميع الأحزاب في سورية ، خلال الاستحقاقات الانتخابية السابقة , لذلك يدعو تيار المستقبل الكوردي في سوريا إلى مشاركة فعالة وبقوائم كاملة من الموقع النقيض للسلطة القائمة في انتخابات هذا الدور، لان الحريات تنتزع ولا تعطى .

أما على صعيد الإجماع أو تشكيل المجلس الوطني الكوردي والذي تم تفريغه من معناه الايجابي ، فباستطاعتنا التأكيد على إن ما يحصل حاليا من قبل  بعض الفصائل الكوردية المأزومة , هو هروب من المواجهة مع الذات , لإحياء دورها من جديد سواء في برامجها أو ديمومة شخوصها , وتبرير سكونها النضالي وتمحورها حول هياكلها المتآكلة ،  لان برامجها أصبحت فاقدة الشرعية ، هذا إذا كانت توجد لديها برامج أصلا ، وإلا ما معنى الحديث عن المرجعية والإجماع ،  إذا كانت لا تستطيع الاتفاق على تأبين شهداء انتفاضة قامشلو في المكان والزمان ، ونعتبر ذلك أولى الخطوات الجادة في تشكيل الإجماع الكوردي ، حيث إن الانتقال إلى الحيز الوطني , يختلف بركائزه واليات التحضير له عما يحصل في إعلان دمشق والذي لا يحمل من التغيير سوى اسمه , وما يحصل حالياً تجميع حزبي أو إيجاد دوائر ممانعة تنأى بنفسها عن استحقاقات العمل النضالي الميداني المعارض وتشكل عطالة وممانعة للتغيير الديمقراطي التي تسعى إليه جاهدة بكافة الوسائل والسبل بعض الأطر . هذا التجميع يجري تحت مسميات الوحدة أو المرجعية ، وهو ما تحاول بعض الأطر الحزبية إظهاره  من خلال تداول  مفهوم (تحت السيطرة) أو ( الضبط )الذي تعمل به لتبرير سكونها ، وعدم فعلها الجماهيري ، بحجة عدم الاتفاق أو الوحدة ، علماً أننا نعتبر الإجماع الكوردي أو المرجعية والتي لا نعلم ماذا يقصد بها كوردياً حتى من أصحاب الطرح أنفسهم ، هي مهمة مستحيلة لان منطق الحياة يكمن في الاختلاف والتغاير .

إننا نعتبر أن الخط السياسي الذي يمثله تيار المستقبل الكوردي في سوريا يعكس هموم وشجون الشباب الكوردي الطامح إلى الحرية ، وتحقيق الهوية القومية الحضارية المتمايزة عبر فعل ديمقراطي إنساني ، يجسد التشارك في الوطن ، بين مختلف مكوناته القومية والدينية ، وبالتالي يكتسب مشروعيته في إجابته على الأسئلة الجديدة والمتجددة التي يطرحها الواقع الكوردي في ضياعه واغترابه .

ويمكننا أن نؤكد أن سياسات النظام وممارساته الممنهجة تجاه المجتمع الكوردي ، تعد تدميراً للوطن وتفكيكاً لوحدته عبر استعداء فئاته القومية ، واستقدام العسكر إلى المناطق الكوردية بعد انتفاضة 12 آذار 2004 ، لقمع أي تحرك كوردي معارض ، وهو مؤشر خطير يجب الوقوف عنده ، لذا فإننا ندعو أبناء الشعب الكوردي البطل إلى الوقوف في وجه  الظلم والقمع وسياسات التمييز المقيتة التي يتبعها النظام من عشرات السنين بحق شعبنا الكوردي ، من إقصاء عن القرار والإدارة والفصل  وتجريد مئات الآلاف من الكورد عن الجنسية وتعريب أسماء المدن والقرى الكوردية  والاستيلاء على أخصب الأراضي الزراعية شمال المنطقة الكوردية في الحسكة  وتسليمها إلى مستوطنين عرب من خارج المنطقة  , وإفقار المناطق الكوردية بشكل مقصود ومبرمج من خلال تضييق فرص العمل أمام العمال وأصحاب الشهادات العلمية , وخلق حالة من الحصار الاقتصادي التي  تتجلى في عدم إقامة مشاريع حكومية أو خدمية أو جامعية يمكنها أن تساهم في تطور المنطقة الكوردية . ونحذر أصحاب القرار من مغبة الاستمرار في مثل هذه السياسات الممنهجة لان صبر الشعب الكوردي كاد أن ينفذ . 

 

 

 

0
0